اجتناب المحرمات

اجتناب المحرمات

مقدمة :

للخطايا تأثيرات قبيحة إن أسرعت، وإن اجتمعت آذت، فشرارة ربما أحرقت بلداً، والخطايا مطوقة في أعناق الرجال، والهلاك في الإصرار عليها، وبالمعاصي تزول النعم وتحل النقم، وبالمعصية تتعسر الأمور على العاصي، فما يتوجه لأمر إلا ويجده مغلقاً دونه أو متعسراً عليه تحقيقه، والمعصية تمحق بركة العمر، 

والذي يفوت بارتكاب المعصية من خيري الدنيا والآخرة أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها، وعقوبة الذنب تحل ولو بعد حين قال عز وجل:( مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) [النساء: 123].

وقد أهبط إبليس من منزل العز بترك سجدة واحدة أمر بها، وأخرج آدم من الجنة بأكلة تناولها، ودخلت امرأة النار في هرة حبستها، وبينما رجل يجر إزاره إذ خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة.

وهكذا الذنوب تورد المهالك فكن خائفاً من ذنبك، ولا تأمن العقوبة فإن هوان الذنب على العاصي من علامة الهلاك، وكلما صغر الذنب في عين العبد عظم عند الله، فإياك ومحقرات الذنوب، فإنهن إذا اجتمعن على الرجل أهلكنه،

 يقول النبي صلى الله عليه وسلم:(فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم)رواه أحمد.

 والذنب يعظم ويحدق خطره إذا جاهر به العبد أو استصغره أو فرح به أو تهاون بستر الله عليه، يقول أنس بن مالك رضي الله عنه:(إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر وإن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات )رواه البخاري.

ولما نزل الموت بمحمد بن المنكدر بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال :(والله ما أبكي لذنب أعلم أني قد أتيته، ولكني أخاف أن أكون أذنبت ذنباً حسبته هيناً وهو عند الله عظيم ).

والذنب لا يقتصر على ارتكاب المناهي فحسب، بل إن التقصير في أداء الواجب من جملة المآثم،

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ف مجموع الفتاوى: التوبة والاستغفار يكون من ترك الواجبات وفعل المحرمات والأول يخفى على كثير من الناس


ماهي المحرمات :
والمحرمات هي حدود الله ، عز وجل ، التي من تعداها فقد عرض نفسه للعذاب الأليم قال تعالى :(وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) [النساء: 14] .

وهي الخبائث التي حرمها الله ، عز وجل لخبثها وضررها كما قال تعالى :(وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف: 157] .

من أنواع المحرمات:

الشرك في عبادة الله تعالى؛
قال تعالى:( إن الله لا يغفر أن يٌشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء )[النساء:116]،
وقال تعالى: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار)[المائدة:72]،

ومن ذلك دعاء الأموات، والاستغاثة بهم، والنذر والذبح لهم كمن يذبح للجن أو للقبر.

من جعل بينه وبين الله تعالى وسائط يدعوهم، ويسألهم الشفاعة، ويتوكل عليهم، فقد كفر إجماعاً.

 - من لم يُكَفِّر المشركين، أو شَكَّ في كفرهم، أو صحّح مذهبهم كفر. 

من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر.

 - من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولو عمل به فقد كفر، لقول تعالى: (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) [محمد:9].

 - من استهزأ بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وسلم أو ثوابه، أو عقابه كفر، والدليل قول الله تعالى:(قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون. لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) [التوبة:65-66]. 

السحر ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر، والدليل قول تعالى:(وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر) [البقرة:102].

 - مظاهـرة المشـركين ومعاونتهـم على المسـلمين؛ والدليـل قولـه تعالى:(ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) [المائدة:51].

من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام فهو كافر ؛ لقوله تعالى:( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)[آل عمران:85].

الإعراض عن دين الله تعالى، لا يتعلمـه ولا يعمـل به؛ والدليل قوله تعالى:( ومن أظلم ممن ذٌكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون) [السجدة:22].
ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف، إلا المكره، وكلها من أعظم ما يكون خطراً، وأكثر ما يكون وقوعاً.
فينبغي للمسلم أن يحذرها، ويخاف منها على نفسه، 

 - من اعتقد أن الأنظمة والقوانين التي يسنها الناس، أفضل من شريعة الإسلام، أو أنها مساوية لها، أو أنه يجوز التحاكم إليها، ولو اعتقد أن الحكم بالشريعة أفضل، أو أن نظام الإسلام لا يصلح تطبيقه في القرن العشرين، أو أنه كان سبباً في تخلف المسلمين، أو أنه يحصر في علاقة المرء بربه دون أن يتدخل في شؤون الحياة الأخرى.

- من يرى أن إنفاذ حكم الله تعالى بقطع يد السارق، أو رجم الزاني المحصن لا يناسب العصر الحاضر

- ويدخل في ذلك ­أيضاً: كل من اعتقد أنه يجوز الحكم بغير شريعة الله تعالى في المعاملات، أو الحدود، أو غيرهما، وإن لم يعتقد أن ذلك أفضل من حكم الشريعة،
 لأنه بذلك يكون قد استباح ما حرم الله تعالى إجماعاً وكل من استباح ما حرّم الله تعالى مما هو معلوم من الدين بالضرورة، كالزنى والخمر والربا،

- والحكم بغير شريعة الله تعالى فهو كافر بإجماع المسلمين. 


المحرمات في القرآن الكريم والسنة النبوية ؛

الاستهزاء بالدين وأهله الاستهزاء  ويطلق عليه " الاستخفاف" و "السخرية"  منه ما هو كفر أكبر يُخرج من الملة، ومنه ما هو فسق، ومنه ما هو محتمل للحُكمين.

1. فما كان منه استهزاء بالله تعالى أو بالقرآن أو بالرسول صلى الله عليه وسلم: فهو كفر مخرج من الملة، وقد دلَّ على هذا قول الله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [التوبة:65-66]. وقد أجمع على ذلك أهل العلم.

 2. وما كان منه استهزاء بذات الأشخاص وأفعالهم الدنيوية المجردة: فهو فسق ،وفيه يقول الله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنّ) [الحجرات:11].

3. وأما المحتمل لكونه كفراً مخرجاً من الملة ولكونه فسقا: فهو الاستهزاء بالمسلم لتدينه وهيئته الموافقة للسنَّة، فإن كان الاستهزاء لذات الشرع الملتزم به ذلك المسلم: فيكون كفراً مخرجاً من الملة، وإن كان الاستهزاء يرجع لذات المسلم،  لأنه ؛
مثلاً؛ ليس أهلاً لأن يُظهر أنه متدين، أو لأنه يبالغ أو يتشدد في تطبيق السنَّة بما لم تدل عليه النصوص: فيكون فسقا؛
لأنه استهزاء بالشخص وليس بالدين.

 سئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى: هل من يستهزئ بالدين بأن يسخر من اللحية أو من تقصير الثياب هل يعد ذلك من الكفر؟
فأجاب: "هذا يختلف؛ إذا كان قصده الاستهزاء بالدِّين: فهي ردة، كما قال الله تعالى:(قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)
أما إذا كان يستهزئ من الشخص نفسه بأسباب أخرى من جهة اللحية أو من جهة تقصير الثياب، ويعني بذلك أنه متزمت، وأن يستهزئ بأمور أخرى يشدد في هذا أو يتساهل في أمور أخرى يعلم أنه جاء بها الدين، وليس قصده الاستهزاء بالدين، بل يقصد استهزاءه بالشخص بتقصيره لثوبه أو لأسباب أخرى.
أما إذا كان قصده الاستهزاء بالدين والتنقص للدين: فيكون ردة، نسأل الله سبحانه العافية.
 وسئل بعدها : إن كان يقول: أنا أقول ذلك للناس من باب الضحك والمزاح؟
فأجاب: هذا لا يجوز، وهذا منكر وصاحبه على خطر، وإن كان قصده الاستهزاء بالدين: يكون كفراً" انتهى. (فتاوى الشيخ ابن باز: 28 / 365 ، 366)


- القتل ؛
قتل المسلم بغير حق أمر عظيم وجرم كبير، قال تعالي: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [النساء:93]
 وعن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما)رواه البخاري. 

وقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم الأسباب التي بها يباح هذا الدم فقال:(لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة)رواه البخاري ومسلم.
 وعن أبي الدّرْداء رضي الله تعالى عنه قال :سمعتُ رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم يقول :(كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ ، إِلَّا مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا، أَوْ مُؤْمِنٌ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا) رواه أبو داود والنسائي

 وعن أبي سعيدٍ الخدري وأبي هُريرة رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليهِ وسلم قال :
(لو أَن أَهل السماءِ وأهل الْأَرْضِ اشتركوا في دم مُؤمنٍ لأَكبهُم اللهُ في النارِ) رواه الترمذي.
 والواجب على كل مسلم أن يسعى أن يلقى الله تعالى وليس في صحيفته سفك دم لمسلم بغير حق.


-عقوق الوالدين؛
هو من كبائر الذنوب وإن الله تعالى أمر الأبناء ببر والديهم والإحسان إليهم، ونهاهم عن عقوقهم والإساءة إليهم، وغرس فيهم من المحبة الفطرية ما يعينهم على ذلك البر والإحسان، وينفرهم من العقوق والعصيان . 

قال تعالى في حق الوالدين:(وقضى ربك أَلاَّ تعْبُدوا إِلا إِيَّاهُ وبِالوَالِدينِ إحسانًا إِما يبلُغنَّ عندكَ الكِبر أَحدهُما أو كلاهُما فلا تقُل لهمآ أُفٍّ ولا تنهرهُمَا وقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لهما جناحَ الذُّلِّ من الرَّحمةِ وقُل رَّبِّ ارحمهُما كما رَبَّيانِي صَغِيرًا) [الإسراء:23-24] .

وعن عبد الرحمن بن أَبي بكرة عن أبيهِ رضي اللَّهُ عنهُ قال: قال رسُولُ اللَّهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم : «أَلا أُنبِّئكُمْ بأَكبر الكبائر؟، قُلنا: بلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "الإشراكُ باللهِ، وعُقوقُ الوالِدينِ"، وكان مُتَّكئاً فجلس فقال:( ألا وقولُ الزُّور، وشهادةُ الزُّورِ، أَلَا وقولُ الزُّورِ، وشهادةُ الزورِ" فما زَال يقُولُها حَتَّى قُلْتُ لَا يَسكتُ)البخاري ومسلم.

وعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلي الله عليه وسلم: (الكبائرُ: الإشراكُ باللَّهِ، وَعُقُوقُ الوالدينِ، وقتلُ النفس، واليمينُ الغموسُ)رواه البخاري.

والعقوق هو ما يصدر من الابن من غير مبرر شرعي  من تصرفات أو أقوال تؤذي والديه.
 قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : والمراد به  أي العقوق ، صدور ما يتأذى به الوالد من ولده من قول أو فعل إلا في شرك أو معصية ؛ مالم يتعنت الوالد. 

 

اللواط ؛
قال تعالي :(أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين)
 تبين له تفاوت ما بينهما، فإنه سبحانه نكر الفاحشة في الزنا، أي هو فاحشة من الفواحش،
وعرفها في اللواط وذلك يفيد أنه جامع لمعاني اسم الفاحشة، 
كما تقول: زيد الرجل، ونعم الرجل زيد، أي: أتأتون الخصلة التي استقر فحشها عند كل أحد، فهي لظهور فحشها وكماله غنيّة عن ذكرها، بحيث لا ينصرف الاسم إلى غيرها …

وقال ابن تيمية رحمه الله : وأما اللواط فمن العلماء من يقول: حده كحد الزنا، وقد قيل دون ذلك. والصحيح الذي اتفقت عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم: أن يقتل الاثنان الأعلى والأسفل. سواء كانا محصنين ، أو غير محصنين .

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط ، فاقتلوا الفاعل والمفعول به )
 
 ثانيا: المفعول به كالفاعل؛ لأنهما اشتركا في الفاحشة، فكان عقوبتهما القتل كما جاء في الحديث، لكن يستثنى من ذلك صورتان:
 الأولى: من أكره على اللواط بضرب أو تهديد بالقتل ونحوه، فإنه لا حد عليه. قال في (شرح منتهى الإرادات:3/348): "ولا حد إن أكره ملوط به على اللواط بإلجاءٍ بأن غلبه الواطئ على نفسه أو بتهديد بنحو قتل أو ضرب" انتهى بتصرف.
 الثانية: إذا كان المفعول به صغيرا لم يبلغ، فإنه لا يحد، لكن يؤدب ويعزر بما يردعه عن اقتراف هذه الجريمة،  ونقل ابن قدامة رحمه الله في (المغني:9/62) أنه لا خلاف بين العلماء في أن الحد لا يُقام على المجنون ولا الصبيّ الذي لم يبلغ.

- الربا:
الربا محرم بالكتاب والسنة والإجماع القطعي، فمن استحله كان كافرا.
لأن القاعدة: أن من أنكر شيئاً أجمع العلماء عليه إجماعاً ظاهراً أنه كافر.

 قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة هو من أعظم أصول الإيمان، وقواعد الدين، والجاحد لها كافر بالاتفاق اهـ (مجموع الفتاوى:12/497).

وقال ابن قدامة رحمه الله: ومن اعتقد حل شيء أجمع على تحريمه وظهر حكمه بين المسلمين وزالت الشبهة فيه للنصوص الواردة فيه كلحم الخنزير والزنى وأشباه ذلك مما لا خلاف فيه كفر .

 وقال النووي رحمه الله تعالى: فأمَّا اليوم وقد شاع دِينُ الْإِسلام واستفاضَ في الْمُسلمينَ علمُ وُجوب الزَّكاة حتَّى عرفها الخاص والعامّ، واشترك فِيهِ الْعَالِم والجاهل، فَلَا يُعذَر أحد بتأوِيل يتأَوَّلهُ فِي إِنكارها. 

وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئًا ممَّا أجمعت الأُمَّة عليه من أمور الدِّين إِذا كان علمه مُنتشرًا كالصَّلوات الخمس وصوم شهر رمضان والاغتسَال من الجنابة وَتَحْرِيم الزِّنَا وَالْخَمْر وَنِكَاح ذوات المحارِم ونحوها من الْأَحْكَام إِلَّا أَن يكُون رجُلًا حديث عهدٍ بالإِسلامِ وَلَا يَعْرِف حُدُوده فإِنَّهُ إِذا أنكر شيئًا مِنهَا جهلًا بِه لم يكفُر .

فأما ما كان الإجماع فِيهِ مَعْلُومًا من طَرِيق علم الْخَاصَّة كتحرِيمِ نِكَاح المرأَة علَى عمتها وخالَتها، وَأَنَّ القاتل عَمْدًا لا يرث وَأَنَّ لِلْجَدَّةِ السُّدُس، وما أشبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَام فإِنَّ مَنْ أَنكرهَا لا يَكْفُر، بَلْ يُعْذَر فيها لِعَدَمِ اِسْتِفَاضَة علمها في العامَّة اهـ .

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: (حكم الربا: أنه محرم بالقرآن والسنة وإجماع المسلمين. ومرتبته: أنه من كبائر الذنوب ؛ لأن الله تعالى قال : {ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ،
 وقال تعالى:(فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله)؛
ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم  لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه فهو من أعظم الكبائر. وهو مجمع على تحريمه، ولهذا من أنكر تحريمه ممن عاش في بيئة مسلمة فإنه مرتد؛
لأن هذا من المحرمات الظاهرة المجمع عليها. 


- الزنا ؛

والزنا من أعظم الكبائر؛ فإن الله تعالى قرن ذكره بعبادة الأصنام وقتل النفس ، فقال تعالى:(وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ) [الفرقان:68].
ولأنه مع كونه كبيرة بالنظر إلى حق الله تعالى، فهو اعتداء على أعز وأشرف ما يملك العبد، وهو عرضه، مع ما يترتب عليه من المفاسد العظام، والشرور الجسام، والتلطخ بأوضار العار، وقد يستمر ذلك مد الزمان، فتتوارثه الأجيال وراء الأجيال.

قال المنذري رحمه الله :(وقد صح أن مدمن الخمر إذا مات لقي الله كعابد وثن، ولا شك أن الزنا أشد وأعظم عند الله من شرب الخمر) .

وقال السفاريني رحمه الله :( الزِّنا أكبرُ الكبائر بعد الشِّرك والقتل )،
 ولذلك كان حد الزنا أشد من حد شرب الخمر، وخاصة إذا كان الزاني محصنا.

أنواع الزنا ليس الزنا هو فقط زنا الفرْج، بل هناك زنا اليد وهو اللمس المحرَّم، وزنا العين وهو النظر المحرَّم، وإن كان زنا الفرْج هو الذي يترتب عليه الحد.
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تمنَّى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله ويكذبه)رواه البخاري ومسلم .

ولا يحل للمسلم أن يستهين بمقدمات الزنا كالتقبيل والخلوة والملامسة والنظر فهي كلها محرّمات،
وهي تؤدي إلى الفاحشة الكبرى وهي الزنا . قال الله تعالى:(ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلاً) [الإسراء:32] .
والنظرة المحرمة سهم من سهام الشيطان، تنقل صاحبها إلى موارد الهلكة، وإن لم يقصدها في البداية ولهذا قال تعالي:(قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون . وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن) [النور:30-31].
فتأمل كيف ربط الله تعالى بين غض البصر وبين حفظ الفرج في الآيات، وكيف بدأ بالغض قبل حفظ الفرج لأن البصر رائد القلب .


أكل الخنزير؛

لحم الخنزير قد حُرِّم في الإسلام بنص القرآن الكريم، وهو قول الله تعالى: {
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ} [البقرة:173]،
ولا يُباح لمسلم تناوله بحال من الأحوال إلا في حالة الضرورة التي تتوقف فيها حياة الشخص على تناوله، كما لو كان في جوع شديد يخشى على نفسه منه الهلاك، ولا يجد طعامًا سواه؛
 وفقًا للقاعدة الشرعية:(الضرورات تبيح المحظورات) ولم يرد في النصوص الشرعية تعليلٌ خاص لتحريم لحم الخنزير سوى قول الله تعالى:(فَإِنَّهُ رِجْس)، والرجس يطلق على ما يستقبح في الشرع، وفي نظر الفطر السليمة، وهذا التعليل وحده كاف، وورد تعليل عام وهو الذي ورد في تحريم المحرمات من المآكل والمشارب ونحوهما وهو يرشد إلى حكمة التحريم في الخنزير، وذلك التعليل العام هو قول الله تعالى : {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف:157]،
فهذا يشمل بعمومه تعليل تحريم لحم الخنزير، ويفيد أنه معدود في نظر الشريعة الإسلامية من جملة الخبائث.
 والخبائث في هذا المقام يراد بها ما فيه ضرر لحياة الإنسان في صحته أو في ماله أو في أخلاقه، فكل ما تكون مغبته وعواقبه وخيمة من أحد النواحي الهامة في حياة الإنسان : دخل في عموم الخبائث.

- شرب الخمر ؛

شرب الخمر إن شرب الخمر كبيرة من كبائر الذنوب .. وهي أم الخبائث ..ومفتاح كل شر ..
وهي كريهة المذاق .. ورجس من عمل الشيطان؛ 
 
 وقد حذرنا الله تعالى منها في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم :
1- قال تعالى :( يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا إِنما الخمرُ والميسرُ والأنصابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ من عمل الشَّيطَانِ فاجتنِبُوهُ لعلَّكُم تُفْلحون)[المائدة:90]

 2- وعن ابن عُمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم:(لعن اللَّهُ الخمر وشاربها وساقيها وبائِعها ومُبتاعها وعاصرها ومُعتصهَا وحاملها وَالمحمُولةَ إِليهِ)صحيح أبي داود.

 3- عن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى اللَّهُ عليه وسلم :(مُدمنُ الخمرِ كعابد وثنٍ)رواه ابن ماجه

4- عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(لا يدخل الجنة مُدمن خمر) رواه ابن ماجه

 5- عن عُثمان رضي الله  تعالى عنهُ قال:( اجْتَنِبُوا الخمر فإنها أمُّ الْخَبَائِثِ إِنَّهُ كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ خَلَا قَبْلَكُمْ تَعَبَّدَ، فعلقتهُ (أَيْ عَشِقْته وَأَحَبَّتْهُ) امرأةٌ غويةٌ فأرسلت إِلَيْهِ جَارِيَتَهَا فَقَالَتْ لَهُ إِنَّا نَدعُوكَ لِلشَّهَادَةِ، فَانْطَلَقَ مَعَ جَارِيَتِهَا فَطَفقت كُما دَخَلَ بَابًا أَغْلَقَتْهُ دُونَهُ حَتَّى أَفْضَى إِلَى امْرَأَةٍ وَضِيئَةٍ عِنْدَهَا غُلَامٌ وَباطيةُ خَمرٍ (أي إناء) فَقَالَتْ إِني واللهِ مَا دَعَوتُكَ للشَّهادةِ ولكن دعوْتُكَ لتقع علي أو تشرب من هذه الْخَمرةِ كأْسًا أَوْ تقتُل هذا الغُلام قَالَ فَاسْقِينِي مِنْ هَذَا الْخَمْرِ كَأْسًا فسقتهُ كَأْسًا قَالَ زِيدُونِي فَلَمْ يَرِمْ (أَي فلم يبرح ولم يترك ذلك) حتى وقع عليها وقتل النفس. فاجتنبُوا الخمر فإنها واللَّهِ لا يجتمعُ الإِيمانُ وإدمانُ الخمر إِلا ليوشكُ أن يُخرج أحدُهُما صاحبهُ .. )رواه النسائي

6- عن عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من شرب الخمر وسكر لم تُقْبل لهُ صلاةٌ أربعين صباحًا وإِنْ مَاتَ دخل النَّار فَإِنْ تاب تاب اللَّهُ عليهِ ، وإن عاد فشرب فسكر لم تُقبل لهُ صَلاةٌ أربعين صباحًا فَإِنْ مات دخل النَّارَ فَإِنْ تاب تاب اللَّهُ عَلَيْهِ ، وإِن عاد فشرِبَ فَسَكِرَ لَمْ تُقبل لهُ صَلاةٌ أَربعين صباحًا فإن مات دَخَلَ النَّار فإِن تاب تاب اللَّهُ عليهِ ، وإِن عاد كان حقًّا على الله أن يسقيهُ مِنْ رَدَغَةِ الخبال يوم القيامة . قالُوا يا رسُول اللهِ وما ردغةُ الخبال قال عُصارةُ أهل النَّارِ) رواه ابن ماجه.

 
- السرقة ؛

 السرقة محرمة بالكتاب والسنة والإجماع، وقد ذم الله تعالى هذا الفعل الشنيع وجعل له عقوبة تناسبه فجعل حد السارق أن تقطع يده ،
قال تعالى:(والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم)[المائدة:38]، 

وقال النبي صلى الله عليه وسلم :(تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً)رواه البخاري.

ولعن النبي صلى الله عليه وسلم السارق لأنه عنصر فاسد في المجتمع إذا تُرك سرى فساده وتعدّى إلى غيره في جسم الأمة فقال عليه الصلاة والسلام :
(لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده)رواه البخاري .

ومما يدل على أن هذا الحكم مؤكّد أن امرأة مخزومية شريفة سرقت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فأراد أسامة بن زيد أن يشفع فيها فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال:(أتشفع في حد من حدود الله، إنما أهلك الذين من قبلكم كانوا إذا سرق فيهم الغني تركوه وإذا سرق فيهم الوضيع أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)رواه البخاري 

حكم السرقة:
  قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: قال الشافِعِيُّ وأبو حنيفة ومالك والجماهير: (تُقْطَعُ اليد من الرسغ، وهو المِفْصَلُ بين الكَفِّ والذِّرَاع، قال القرطبي: قال الكَافَّة: تقطع اليد من الرُسْغِ، لا كما يفعله بعض المبتدعة من قطع أصابع اليد وترك الإِبْهَام . ولأن قطع اليد أمر عظيم،

شروط قطع يد السارق :
  1- أن يكون أخذ الشيء على وجه الخِفْيَةِ، فإن لم يكن على وجه الخفية فلا تُقْطَع، كما لو انْتَهَب المال على وجه الغَلَبَةِ والقَهْرِ على مَرْآى من الناس، أو اغْتَصَبَه، لأن صاحب المال يمكنه النَّجدة والأَخْذ على يده.

 2- أن يكون المسروق مالا محترماً لأن ما ليس بمال لا حرمة له، كآلات اللهو والخمر والخنزير. 

3- أن يكون المسروق نصاباً، وهو ثلاثة دراهم إسلامية أو ربع دينار إسلامي، أو ما يقابل أحدهما من النقود الأخرى.

4- أن يأخُذَ المسروق من حرزه، وحرز المال: ما تَعَوَّدَ الناس على حفظ أموالهم فيه كالخِزَانَة مثلاً.

5- لا بد من ثُبُوتِ السرقة، وتكون إما بشهادة عَدْلَيْنِ، أو بإقرار السارق على نفسه مرتين.

6- لابد أن يطالب المسروق منه بماله فإذا لم يطالب لم يجب القطع. فإذا تحققت هذه الشروط وجب قطع اليد، ولو طبق هذا الحكم في المجتمعات التي ارتضت القوانين الوضعية، التي نَحَّت شريعة الله تعالى واستبدلت بها قوانين البشر لكان أنفع علاج لهذه الظاهرة،
 كما قال تعالي: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون)[المائدة:50].

- الكبر ؛

التكبر صفة ذميمة يتصف به إبليس وجنوده من أهل الدنيا ممن طمس الله تعالى على قلبه.
وأول من تكبر على الله تعالى وخلقه هو إبليس اللعين لمَّا أمره الله تعالى بالسجود لآدم فأبى واستكبر وقال (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين).
 قال تعالى:(ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين . قال ما منعك أن تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) [الأعراف:11-12]. 

فالكبر خلُق من أخلاق إبليس، فمن أراد الكِبر فليعلم أنه يتخلق بأخلاق الشياطين، وأنه لم يتخلق بأخلاق الملائكة المكرمين الذين أطاعوا ربهم فوقعوا ساجدين. ناهيك عن كون الكبر سبباً لحرمان صاحبه من الجنة ويحرم نفسه من أن ينظر رب العزة إليه كما جاء في الحديثين الآتيين :
عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بَطَر الحق وغَمْط الناس)رواه مسلم.
وبطر الحق: رده بعد معرفته.
وغمط الناس: احتقارهم.

 وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقال أبو بكر: إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لست تصنع ذلك خيلاء)رواه البخاري.

والكبر صفة من الصفات التي لا تنبغي إلا لله تعالى؛ فمن نازع الله تعالى فيها أهلكه الله سبحانه وقصمه وضيق عليه.
عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( قال الله تعالى: العز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته)رواه مسلم.

وكل من حاول الكبر والارتفاع خفضه الله تعالى في الأسفلين وجعله في الأذلين لأنه خالف الأصل فجازاه الله تعالى بنقيض قصده،
وقد قيل: الجزاء من جنس العمل. والذي يتكبر على الناس يكون يوم القيامة مداساً تحت أقدام الناس فيذله الله تعالى جزاء ما كان منه من الكبر.
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذرِّ في صُوَر الرجال يغشاهم الذل من كل مكان فيساقون إلى سجن في جهنم يسمى "بولس" تعلوهم نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال)رواه الترمذي. 

صور الكبر :
 - ألا يقبل الرجل الحق ويجادل بالباطل، كما ذكرنا في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه (الكبر: بطر الحق وغمط الناس).

- أن تعجبه نفسه من جمال أو حسن، أو ثراء في الملبس أو المأكل فيتبختر ويتكبر ويفخر على الناس. عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم أو قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: (بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل جمته إذ خسف الله به فهو يتجلجل إلى يوم القيامة)رواه البخاري ومسلم .

- ومنه ما كان من ذلك الرجل صاحب الذي قال تعالى: (وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً)[الكهف:34].
وقد يكون ذلك بالتفاخر بالعشيرة والنسب.

 طرق علاج الكبر
أن ترى نفسك كالناس وأنهم مثلك ولدوا من أم وأب كما ولدت وأن التقوى هي المعيار الحق .
قال تعالى :{إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات:13].
وليعلم المسلم المتكبر أنه مهما بلغ فهو أضعف من أن يبلغ طول الجبال أو أن يخرق الأرض
 كما قال تعالى : (ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور . واقصد في مشيك واغضض من صوتك ، إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) [لقمان:17-18].

- الغيبة :

الغيبة يجب على المسلم حفظ لسانه عما نُهيَ عنه، ومن هذه المنهيَّات والتي تساهل الناس في الوقوع فيها كثيراً الغيبة والبهتان والنميمة. 

 والغيبة: هي ذكر المسلم في غيبته بما فيه مما يكره نشره وذِكره،
والبهتان: ذكر المسلم بما ليس فيه وهو الكذب في القول عليه،
والنميمة: هي نقل الكلام من طرف لآخر للإيقاع بينهما. 

والأدلة في تحريم هذه الأفعال كثيرة، نكتفي بذكرِ شيءٍ يسير فقط لوضوح تحريمها،
قوله تعالى:(ولا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ)[الحجرات:12]

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذِكرُك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيتَ إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتَّه)رواه مسلم.

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: مرَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلم على قبرين فقال: (أما إنَّهما ليُعذَّبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله، قال: فدعا بعسيبٍ رطْبٍ فشقه باثنين ثم غرس على هذا واحداً وعلى هذا واحداً ثم قال لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا) رواه البخاري ومسلم.

 كفارة الغيبة: 
كفارة الغيبة على كل من وقع منه الغيبة أو البهتان أو النميمة أن يتوب ويستغفر فيما بينه وبين الله،
فإن علم أنه قد بلغ الكلامُ للمُتكلَّم عليه فليذهب إليه وليتحلل منه، فإن لم يعلم فلا يُبلغه بل يستغفر له ويدعو له ويثني عليه كما تكلم فيه في غيبته.
وكذا لو علم أنه لو أخبره ستزيد العداوة، فإنه يكتفي بالدعاء والثناء عليه والاستغفار له.

عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كانت له مظلمةٌ لأخيه من عرضه أو شيءٍ فليتحلَّلْه منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أُخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه) رواه البخاري.

قال ابن تيمية رحمه الله:
ومن ظلم إنساناً فقذفه أو اغتابه أو شتمه ثم تاب قبِل الله تعالى توبته، لكن إن عرف المظلومُ مكَّنه من أخذ حقه، وإن قذفه أو اغتابه ولم يبلغه ففيه قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد: أصحهما أنه لا يعلمه أني اغتبتك، وقد قيل: بل يحسن إليه في غيبته كما أساء إليه في غيبته؛
 قال الحسن البصري رحمه الله:
كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته. 

 
- الرشوة؛ 

الرشوة من كبائر الذنوب ،
عن عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنهما قال:(لعن رسُولُ الله صلى اللَّهُ عليهِ وسلم الراشي والمُرتشي)صححه الألباني 

والراشي ؛هو معطي الرشوة، و المرتشي هو آخذها. الرشوة هي ما يدفعه الإنسان ليأخذ ما ليس من حقه، أو ليتهرب بها من حق عليه.

وقال ابن عابدين رحمه الله في حاشيته: الرشوة ما يُعطية الشخص الحاكم وغيرهُ ليحكم لهُ أو يحملهُ علي ما يُريد  .

 قال الشيخ ابن باز رحمه الله : ذكر ابن عابدين رحمه الله تعالى في حاشيته:
أن الرشوة هي: ما يعطيه الشخص لحاكم أو غيره ليحكم له أو يحمله على ما يريد،
وواضح من هذا التعريف أن الرشوة أعم من أن تكون مالا أو منفعة يمكنه منها، أو يقضيها له .
 والمراد بالحاكم : القاضي وغيره: كل من يرجى عنده قضاء مصلحة الراشي، سواء كان من ولاة الدولة وموظفيها أو القائمين بأعمال خاصة كوكلاء التجار والشركات وأصحاب العقارات ونحوهم،
 والمراد بالحكم للراشي، وحمل المرتشي على ما يريده الراشي: تحقيق رغبة الراشي ومقصده، سواء كان ذلك حقا أو باطلا.(مجموع فتاوى ابن باز)

 وإذا كان الإنسان لا يستطيع الوصول إلى حقه إلا بدفع الرشوة، جاز له بذلها لمن يوصل إليه حقه، ويكون ذلك حراما على الآخذ فقط، دون المعطي.

- الكذب ؛

 الكذب من المعلوم المقرر عند جميع المسلمين: أن الكذب حرام كله، بل قبح الكذب وتحريمه أمر قد اتفقت عليه الأديان، وتقرر في الفطر السليمة، أيا كانت ملة صاحبه!!
والواجب على المسلم أن يكون صادقا في كلامه في جميع أحواله . قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)[التوبة :119].

وعن عبد اللهِ بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( ‏إن الصدق يهدي إِلى البرِّ ، وإِنَّ البرَّ يهدي إِلى الجنَّة، وإن الرَّجُل ليصدُقُ حتَّى يكُون صدِّيقًا، وإِنَّ الْكَذِب يهدِي إلى الفُجُور، وإن الفُجُور يهدي إِلى النَّار، وإِنَّ الرَّجل ليكذِبُ حتَّى يُكتب عند اللَّهِ كذَّابًا)رواه البخاري ومسلم .


وعن عبد اللَّهِ بن عمرٍو  رضي الله تعالى عنهما، أَن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (أربعٌ من كُنَّ فيهِ كان مُنافقًا خَالِصًا، ومن كانت فِيهِ خَصْلَةٌ مِنهُنَّ كانت فيهِ خَصلةٌ من النِّفاقِ حتَّى يدعهَا؛ إِذا اؤتمن خانَ، وإِذا حدث كذبَ، وإِذا عاهد غدر، وإِذا خاصمَ فَجر) رواه البخاري ومسلم .

ثبت النهي عن الكذب في المزاح في السنة المطهرة: فعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ قال: حدَّثني أَبِي، عن أَبيه، قال: سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلمَ يقول:(ويلٌ للذي يُحدِّثُ فيكذب ليضحك به القوم ، ويلٌ لهُ ، ويلٌ لهُ) رواه أبو داود.

 كما جاء أيضا الحث على ترك الكذب في المزاح: فعنْ أبي أُمامةَ  رضي الله تعالى عنه قال : قال رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  (أنا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ في ربضِ الجنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحقًّا، وَبِبَيْتٍ في وسطِ الجنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وإِن كان مازحًا، وببيتٍ في أَعلى الْجَنَّةِ لمَن حسَّن خُلُقَهُ) رواه أبو داود.

وعَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال:‏ (لا يصلُحُ الكَذبُ فِي جِدٍّ ولا هزلٍ، ولا أَن يعد أحدُكُم ولدهُ شَيْئًا ثُمَّ لا يُنجزُ لَهُ‏) رواه البخاري في (الأدب المفرد:387).

- النميمة ؛

‏   النميمة كبيرة من كبائر الذنوب،
وهي نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على وجه الإفساد بينهم.
 وقد نقل ابن حجر الهيتمي هذا التعريف في كتابه (الزواجر عن اقتراف الكبائر) ثم قال: ( وقال في الإحياء: ولا يختص بذلك، بل هي كشف ما يكره كشفه، سواء أَكرهه المنقول عنه أو إليه أو ثالث ، وسواء كان كشفه بقول أو كتابة أو رمز أو إيماء، وسواء في المنقول كونه فعلاً أو قولاً أو عيباً أو نقصاً في المقول عنه أو غيره، فحقيقة النميمة إفشاء السر، وهتك الستر عما يكره كشفه، وحينئذ ينبغي السكوت عن حكاية كل شيء شوهد من أحوال الناس إلا ما في حكايته نفع لمسلم أو دفع ضر، كما لو رأى من يتناول مال غيره فعليه أن يشهد به، بخلاف ما لو رأى من يُخفي مال نفسه فذكره فهو نميمة وإفشاء للسر، فإن كان ما ينم به نقصا أو عيبا في المحكي عنه فهو غيبة ونميمة . انتهى)

ونقل عن الحافظ المنذري رحمه الله قوله :أجمعت الأمة على تحريم النميمة وأنها من أعظم الذنوب عند الله عز وجل. انتهي.

ومنه يعلم أن نقلك كلام الزملاء إلى المدير، إفشاء للسر، وسعي في الإفساد، ووقوع في هذه الكبيرة العظيمة من كبائر الذنوب ، إضافة إلى التجسس المحرم.
وقد جاء في ذم النميمة، والتجسس، وتتبع العورات جملة من النصوص الكفيلة بزجر المسلم وردعه عن ارتكاب هذه المحرمات: 
1- فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم :(لا يدخل الجنة نمام). وفي رواية : (قتّات)رواه البخاري ومسلم.
والقتات هو النمام. وقيل: النمام الذي يكون مع جمع يتحدثون حديثا فينم عليهم.
والقتات: الذي يستمع عليهم وهم لا يعلمون ثم ينم.

2- وفي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بعض حيطان المدينة فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما فقال:
(يعذبان وما يعذبان في كبير، وإنه لكبير، كان أحدهما لا يستتر من البول، وكان الآخر يمشي بالنميمة)رواه البخاري ومسلم.

 3- وفي الصحيحين أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا)رواه البخاري ومسلم.


4- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من تحلم بحُلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون أو يفرون منه صب في أذنه الآنك يوم القيامة، ومن صور صورة عذب وكلف أن ينفخ فيها وليس بنافخ)والآنك: هو الرصاص المذاب.رواه البخاري


الحكمة من تحريم المحرمات :

ينبغي أن يعلم المسلم أن في تحريم المحرمات حكمًا منها :

أن الله يبتلى عباده بهذه المحرمات ، فينظر كيف يعملون ، ومن أسباب تميز أهل الجنة عن أهل النار ، أن أهل النار قد انغمسوا في الشهوات التي حفت بها النار ، وأهل الجنة صبروا على المكاره التي حفت بها الجنة ، ولولا هذا الابتلاء ما تبين العاصي من المطيع .

وأهل الإيمان ينظرون إلى مشقة التكليف بعين احتساب الأجر وامتثال أمر الله لنيل رضاه ، فتهون عليهم المشقة ، وأهل النفاق ينظرون إلى مشقة التكليف بعين الألم والتوجع والحرمان ، فتكون الوطأة عليهم شديدة والطاعة عسيرة .

وبترك المحرمات يذوق المطيع حلاوة : من ترك شيئًا لله ، عذوضه الله خيرًا منه ، ويجد لذة الإيمان في قلبه

ويجد لذة الإيمان في قلبه ( محرمات استهان بها الناس)

و المطعم الحلال، والمشرب الحلال، والملبس الحلال فيهما بركة على المسلم، وفيها كفاية للمسلم، تغذي تغذيةً طيبة، وتؤثر تأثيرا طيباً على الجسم،
وأن الغذاء الحرام، والملبس الحرام، والمشرب الحرام، لها تأثيرات سيئة على الإنسان في قلبه وفي صحته وبدنه وفي تصرفاته،
 لأن الخبيث لا ينتج إلا الخبيث ولهذا قال تعالي:
 (قُل لا يستوِي الخبيثُ وَالطَّيِّبُ ولو أَعجبكَ كثرةُ الخبيثِ فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولي الأَلْبابِ لعَلَّكمْ تُفْلِحُونَ).

 الأصل في المعاملات الإباحة، والحل إلا ما دل الدليل على تحريمه وذلك من أجل التوسعة على الناس، ومن أجل حمايتهم مما يضرهم، فالحرام يمنع قبول الدعاء سواءً أكله أو شربه أو لبسه، يمنع قبول الدعاء
وهذا في الصحيح كما في الحديث( في الرَّجل الذي يُطِيلُ السَّفر أَشعثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حرامٌ ومشْربُهُ حرامٌ وَملْبسُهُ حرامٌ وَغُذِىَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ )
 لذلك لا يستجيب الله له، وهو بحاجة إلى الله، لا يستغني عن الله طرفة عين، ولكن الحرام حال بينه وبين ربه عقوبةً له،

ولهذا لما طلب سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله له أن يجعله مجاب الدعوة قال: يا سعد أطب مطعمك تستجب دعوتك ، فهذا أصلٌ عظيمٌ في تجنب المحرمات،
 لأنها تحول بين العبد وبين ربه، فلا يستجاب له دعاء، ولا يتحقق له عند الله رجاء، محروم من إجابة الدعوة، 
بسبب أنه يتغذى بالحرام، وهذا يدل على عظمة أكل الحرام وتأثيره على العبد فليتجنب المسلم المحرمات بأنواعها ويقتصر على المباحات ففيها الخير، وفيها البركة، وفيها القناعة لمن وفقه الله سبحانه، والله لم يضيق على عباده لم يحرم عليهم إلا ما فيه ضرر عليهم، وما فيه أثر سيءٌ عليهم رحمةً بهم، فعلى المسلم أن يتحرى الحلال وأن يأكل منه ويتغذى منه ويلبس ويتصدق من الحلال، فإنه إذا تصدق من الحرام لم يقبل منه، وهو مردود عليه، فلا ينتفع من الحرام بشيء لا في الدنيا ولا في الآخرة،
فلماذا يتعب العبد نفسه في طلب الحرام وجمع الحرام؟
والحرام متنوع في المكاسب وفي غيرها، في المكاسب وفي المطاعم وفي المشارب متنوع، وقد بينه لنا الله جلَّ وعلا وبينه لنا رسوله صلى الله عليه وسلم لنجتنبه ونبتعد عنه،
 فالربا هو أعظم المحرمات بعد الشرك بالله عز وجل، لقوله تعالى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ)


صفات أهل الفلاح ؛

من صفات أهل الفلاح اجتناب ما حرم الله عز وجل قال تعالى :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[المائدة: 90].

واجتناب المحرمات فرض على كل مسلم لقوله صلى الله عليه وسلم :(ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم..)رواه مسلم.
تعليقات