الأخلاق السيئة
 
مقدمة :

فالأخلاق السيئة سموم قاتلة ، وأمراض قاتلة ، ينبغي للمسلم تجنُّبُها ، والحذر منها ، ومن كان فيه خَلَّة منها فليجاهد نفسه في التخلص منها ، فإن الأخلاق قابلة للتغيُّر والتبديل.

والخلق السيئ خلق فاسد متصف بالشر، لا يتفق مع الواجبات الشرعية والخلقية، وهو فعل منكر وسلوك غير صالح ينتج عن مرض القلب في الغالب

أركان سوء الخلق:

قال ابن القيم رحمه الله:

ومنشأ جميع الأخلاق السافلة وبناؤها على أربعة أركان: الجهل والظلم والشهوة والغضب.

فالجهل يريه الحسن في صورة القبيح، والقبيح في صورة الحسن.والكمال نقصا والنقص كمالا.

والظلم يحمله على وضع الشيء في غير موضعه فيغضب في موضع الرضى، ويرضى في موضع الغضب، ويجهل في موضع الأناة، ويبخل في موضع البذل ويبذل في موضع البخل، ويحجم في موضع الإقدام ويقدم في موضع الإحجام، ويلين في موضع الشدة ويشتد في موضع اللين، ويتواضع في موضع العزة ويتكبر في موضع التواضع.

والشهوة: تحمله على الحرص والشح والبخل وعدم العفة والنهمة والجشع والذل والدناءات كلها.

والغضب يحمله على الكبر والحقد والحسد والعدوان والسفه.

ويتركب من بين كل خلقين من هذه الأخلاق: أخلاق مذمومة. وملاك هذه الأربعة أصلان:إفراط النفس في الضعف وإفراطها في القوة.

فيتولد من إفراطها في الضعف: المهانة والبخل والخسة واللؤم والذل والحرص والشح وسفساف الأمور والأخلاق.

ويتولد من إفراطها في القوة: الظلم والغضب والحدة والفحش والطيش.

ويتولد من تزوج أحد الخلقين بالآخر: أولاد غية كثيرون (أي أخلاق سيئة كثيرة).

فإن النفس قد تجمع قوة وضعفا. فيكون صاحبها أجبر الناس إذا قدر، وأذلهم إذا قُهر، ظالم عنوف جبار، فإذا قهر صار أضعف من امرأة. جبانا عن القوي، جريئا على الضعيف.

فالأخلاق السيئة يولد بعضها بعضا، كما أن الأخلاق الحميدة يولد بعضها بعضًا


هل يتغير حسن الخلق إلى خُلقٍ سيئ؟

إذا كان الخلق السيئ قد يتحول إلى خلق حسنٍ باتباع الشرع والتدرب على الأخلاق الحميدة والمثابرة عليها فهل يتغير الخُلُق الحسن إلى سيئ؟ قال الماوردي رحمه الله:

ربما تغيّر حُسْنُ الخلق والوطاء (اللين) إلى الشراسة والبذاء لأسباب عارضة وأمور طارئة تجعل اللين خُشُونة والوطاء غلظة والطلاقة عُبُوسًا،

فمن أسباب ذلك:

1- الولاية(كرياسة أو إدارة) التي قد تحدث في الأخلاق تغيرًا، وتجعله ينفر من أصدقائه القدامى وذلك يرجع إلى لُؤم طبع في الغالب.

2- ومنها العزل فقد يسوء منه الخلق، ويضيق به الصدر، إما لشدة أسفٍ أو لقلة صبر.

3- ومنها الغنى، فقد تتغير به أخلاق

 اللئيم بطرًا، ويطغى لمجرد شعوره بالغنى، وقد قيل: من نال استطال.

4- ومنها الفقر فقد يتغير به الخلق، إما هربا من أن يوصف بالمسكنة أو أسفًا على ما فات من الغنى.

5- ومنها الهموم التي تُذهلُ اللُّب، وتشغل القلب، فلا تقوى على صبر، وقد قيل: الهم كالسم. وقال بعض الأدباء: الحزنُ كالداء المخزون في فؤاد المحزون.

6- ومنها الأمراض التي يتغير بها الطبع، كما يتغير بها الجسم، فلا تبقي الأخلاق على اعتدال، ولا يقدر معها على احتمال.

7- ومنها علو السن، وحدوث الهَرم لتأثيره في آلة الجسد. كذلك يكون تأثيره في أخلاق النفس، فكما يضعف الجسد على احتمال ما كان يُطيقه من أثقالٍ كذلك تعجز النفس عن احتمال ما كانت تصبر عليه من مخالفة الوفاق، وضيق الشقاق، وكذلك ما ضاهاه.

فهذه سبعة أسباب، إذا أحدثت سوء خلق كان عامًّا. وهنا سببٌ خاصٌّ يُحدث سوء خلق خاصٍّ، وهو البغض الذي تنفر منه النفس، فينفر الإنسان ممن يبغضه، فيتعامل معه دون غيره بسوء خلق، فإذا كان سُوء الخلق حادثًا بسببٍ، كان زواله مقرونًا بزوال ذلك السبب.


تحذير السلف والعلماء من مصاحبة سيء الخلق :

قال الفضيل بن عياض رحمه الله: لا تخالط سيئ الخلق فإنه لا يدعو إلا إلى شر.

وقال أيضًا: لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إلي من أن يصحبني عابدٌ سيئ الخلق.

وقال الحسن البصري رحمه الله:من ساء خلقه عذب نفسه.

وقال يحيى بن معاذ رضي الله عنه: سوء الخلق سيئة لا تنفع معها كثرة الحسنات، وحسن الخلق حسنةٌ لا تضر معها كثرة السيئات.

قال الإمام الغزالي رحمه الله: الأخلاق السيئة هي السموم القاتلة، والمهلكات الدامغة، والمخازي الفاضحة، والرذائل الواضحة، والخبائث المبعدة عن جوار رب العالمين، المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين، وهي الأبواب المفتوحة إلى نار الله تعالى الموقدة التي تطلع على الأفئدة.

وقال أيضًا: الأخلاق الخبيثة أمراض القلوب وأسقام النفوس، إنها أمراض تفوت على صاحبها حياة الأبد.

وقال رحمه الله: على المسلم أن يخالط الناس، فكل ما رآه مذمومًا بين الخلق من خُلُق فليحذِّر نفسه منه ويُبعدها عنه، فإن المؤمن مرآة المؤمن، فيرى من عيوب غيره عُيوب نفسه، ويعلم أن الطِّباع متقاربةٌ في اتباع الهوى. فما يتصفُ به واحدٌ من الأقران لا ينفكُّ القرنُ الآخر عن أصله أو أعظم منه أو عن شيء منه، فليتفقَّد نفسه ويُطهِّرها من كل ما يذُمُّهُ من غيره وناهيك بهذا تأديبًا.

وقال أيضًا: إن حسن الخلق هو الإيمانُ، وسوء الخلق هو النفاق.


 أضرار سوء الخلق: 

سيئ الخلق مذكورٌ بالذكر القبيح، يمقته الله عز وجل، ويُبغضه الرسول صلى الله عليه وسلم، ويُبغضه الناس على اختلاف مشاربهم.

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(وإن أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني في الآخرة أسْوَؤُكم أخلاقًا)رواه أحمد وحسنه الألباني.

وسيئ الخلق هو من ملأ الله أُذُنَيْهِ من ثناء الناس شرًّا وهو يسمعهُ.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أهل الجنة من ملأ الله أُذنيه من ثناء الناس خيرًا، وهو يسمعُ، وأهل النار من ملأ أُذنيه من ثناء الناس شرًّا وهو يسمع)رواه ابن ماجه وصححه الألباني.

بل إن سيئ الخلق يجلب لنفسه الهم والغم والكدر، وضيق العيش، ويجلب لغيره الشقاء.

قال أبو حازم سلمة بن دينار رحمه الله:السيئُ الخلق أشقى الناس به نفسُهُ التي بين جنبيه، هي مِنه في بلاء، ثم زوجتُهُ، ثم ولدُهُ، حتى أنه ليدخل بيته، وإنهم لفي سرور، فيسمعون صوته، فينفرون منه فرَقًا منه، وحتى إن دابته تحيد مما يرميها بالحجارة، وإن كلبه ليراه فينزو على الجدار، حتى إن قِطَّهُ ليفرُّ منه.

إذا لم تتســع أخــلاق قـوم 

   تضيق بهم فسيحاتُ البـــلاد


الأخلاق السيئة أمراض وأسقام :
قال الإمام الغزالي رحمه الله؛
 الأخلاق الخبيثة أمراض القلوب وأسقام النفوس.

قال الحسن رحمه الله ؛
 من ساء خلقُه عذَّب نفسَه.

فائدة :
صحب ابن المبارك رحمه الله رجلًا سيِّئ الخلق في سفر ، فكان يحتمل منه ، ويداريه ، فلما فارقه بكى ، فقيل له في ذلك ، فقال : بكيته رحمة له ، فارقته وخلقه معه لم يفارقه.


أثر سوء الخلق على الدين والحسب :
عن الفضيل رحمه الله قال ؛
من ساء خُلُقه ساء دينه وحسبُهُ ومودَّتُهُ.


الأخلاق السيئة سموم قاتلة :
قال الإمام الغزالي رحمه الله ؛
 الأخلاق السيئة هي السموم القاتلة ،
والمهلكات الدامغة ، والمخازي الفاضحة ، والرذائل الواضحة ، والخبائث المبعدة عن جوار رب العالمين ، المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين.


أخلاق من وقي منها وعُصِمَ منها فقد أفلح :
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله؛
 قد أفلح من عصم من المِراء والغضب ، والطمع.

قال الفضيل بن عياض رحمه الله ؛
من وقي خمسًا وقي شر الدنيا والآخرة : العجب ، والرياء ، والكبر ، والإزراء ، والشهوة.


الطرق التي يعرف بها الإنسان عيوب نفسه :
قال الإمام الغزالي رحمه الله ؛
 اعلم أن الله عز وجل إذا أراد بعبده خيرًا بصَّره بعيوب نفسه ، فمن كانت له بصيرة نافذة لم تَخْفَ عليه عيوبُه ، فإذا عرَف العيوب أمكنه العلاج ، فمن أراد أن يعرف عيوب نفسه فله طرق :

- الأول :
أن يطلب صديقًا صدوقًا دينًا ، فما كره من أخلاقه وأفعاله وعيوبه يُنبِّهه عليه.

- الثاني :
أن يستفيد معرفة عيوبه من ألسنة أعدائه ؛ فإن عينَ السُّخْطِ تُبْدي المساويَ.

- الثالث :
أن يخالط الناس ، فكل ما رآه مذمومًا فليتفقد نفسه ويُطهِّرها من كل ما يذمُّه.


قبول الأخلاق للتغير :
قال الإمام الغزالي رحمه الله ؛
بعض من غلبت عليه البطالة استثقل المجاهدة والاشتغال بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق... 
فزعم أن الأخلاق لا يتصور تغيُّرها ، فإن الطباع لا تتغير،
 فنقول : لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيُّر ، لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات... وكيف ينكر هذا في حق الأدمي ، وتغيير خلق البهيمة ممكن ؛
 إذْ يُنْقَلُ البازِي مِنَ الاستِيحاشِ إلى الأُنْسِ ، والكلب من شره الأكل إلى التأدُّب والإمساك والتخلية ، والفرس من الجماح إلى السلامة والانقياد ، وكل ذلك تغيير للأخلاق.

قال ابن القيم رحمه الله ؛
هل يمكن أن يكون الخُلق كسبيًّا أو هو أمر خارج عن الكسب؟ قلت : يمكن أن يقع كسبيًّا بالتخلُّق والتكلُّف ، حتى يصير له سجيةً ومَلَكةً.


الطريق إلى تهذيب الأخلاق :
قال الإمام الغزالي رحمه الله ؛
النفس في علاجها بمحو الرذائل والأخلاق الرذيلة عنها ، وجلب الفضائل والأخلاق الجميلة لها مثال البدن في علاجه بمحو العلل عنه وكسب الصحة له وجلبها إليه ، وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملًا
وإنما يكمل ويقوى بالنشوء والتربية بالغذاء ، فكذلك النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال ،
وإنما تكمل بالتربية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم ، وكما أن العلة المغيرة لاعتدال البدن الموجبة للمرض لا تعالج إلا بضدِّها...

فكذلك الرذيلة التي هي مرض القلب علاجها بضدِّها ، فيعالج مرض الجهل بالتعلُّم ، ومرض البخل بالتسخِّي ، ومرض الكبر بالتواضع ،
وكما أنه لا بُدَّ من الاحتمال لمرارة الدواء وشدة الصبر عن المشتهيات لعلاج الأبدان المريضة فكذلك لا بد من احتمال مرارة المجاهدة ، والصبر لمداواة مرض القلب ؛ بل أولى ، فإن مرض البدن يخلص منه بالموت ، ومرض القلب والعياذ بالله مرض يدوم بعد الموت.
فليحذر العبد من الأخلاق السيئة ، وليعلم أن من عامل الخلق بصفة عامله الله تعالى بتلك الصفة بعينها في الدنيا والآخرة .
 
قال العلامة ابن القيم رحمه الله ؛
مَن تتبَّع عوراتهم تتبَّع عورته ، ومن هتكهم هتكَه وفضحَه ، ومن منعهم خيره منعه خيره ، ومن شاق الله شاق الله تعالى به ، ومن مكر مكر به ، ومن خادع خادعه ، ومن عامل خلقه بصفةٍ عامله الله تعالى بتلك الصفة بعينها في الدنيا والآخرة ، فالله تعالى لعبده على حسب ما يكون العبد لخلقه.

وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله ؛
عقوبة من أشاع السوء على أخيه المؤمن ، وتتبَّع عورته ، وكشف عورته ، أن يتبع الله عورته ويفضحه ولو في جوف بيته ،
كما روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه ،وقد أخرجه الإمام أحمد وأبو داود ، وأخبر الله تعالى أن المكر يعود وباله على صاحبه ، قال تعالى :(وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ )[فاطر: 43] ،
والواقع يشهد بذلك ، فإن من سبر أخبار الناس ، وتواريخ العالم ، وقف على أخبار مَن مكرَ بأخيه ، فعاد مكرُهُ عليه.
تعليقات